👈الإطار التنسيقي يُخرج ورقة المحاصصة مجدداً من جعبته وله شركاء في تطبيعها لم يعد جمهور الإطار التنسيقي كتلةً متجانسة في موقفها مما يجري، حتى وإن ظل بعضه أسير الولاءات الحزبية والطائفية. ولا أقصد هنا النواة الصلبة التي تبرّر تجاوزات زعماء الكتل على الدستور والقانون، بل أقصد أولئك الذين اعتادوا تأييد المحاصصة وتوزيع المناصب والمغانم، وصوّتوا في دورات انتخابية سابقة بدافع الخوف على المذهب من الآخر، أو انطلاقاً من قناعات أيديولوجية غلبت الاعتبارات الوطنية على حسابها.
وأقصد، على وجه الخصوص، أولئك الذين نشأوا على مبادئ العدالة الاجتماعية التي نادى بها الأمام علي ع ، وعلى أحلام قيم المواطنة واحترام مؤسسات الدولة والديمقراطية، وكانوا يرون أن مصلحة العراق ينبغي أن تتقدم على المصالح الحزبية والفئوية. هؤلاء يجدون أنفسهم اليوم أمام سؤال لا يمكن تجاهله: كيف انتهى الأمر ببعض القوى التي رفعت شعارات العدالة والإصلاح إلى الدفاع عن نظام سياسي يجعل توزيع المناصب والنفوذ بين الأحزاب جزءاً ثابتاً من آليات الحكم؟
من التصويت الطائفي إلى تطبيع المحاصصة .
منذ أعوام، لم يعد كثير من الناخبين مرتاحين إلى أداء القيادات التي منحوها أصواتهم، لكنهم كانوا يتجاوزون تحفظاتهم بدافع العادة، أو تحت ضغط المخاوف الطائفية، أو اعتقاداً منهم بأن التصويت للهوية المذهبية يمثل ضمانةً لحماية الجماعة ومصالحها.
غير أن هذه المعادلة أخذت تفقد قدرتها على الإقناع. فحين تتحول الهوية الطائفية إلى غطاء دائم لتبرير الإخفاقات، وحين يُطلب من المواطن التغاضي عن الفساد وسوء الإدارة والخلل في أداء الدولة بحجة حماية المذهب، تصبح الورقة الانتخابية أداةً لإعادة إنتاج القوى نفسها، لا وسيلةً لمحاسبتها وتغييرها.
وفي ظل الحكومات التي شارك الإطار التنسيقي في تشكيلها وقيادتها، يرى منتقدون أن ورقة الطائفة لم تعد تعبّر بالضرورة عن مصالح الشيعة المحافظين، ولا عن تطلعات الإصلاحيين، ولا عن هموم المواطن الذي يبحث عن الأمن والخدمات والعدالة وتكافؤ الفرص. بل باتت، في نظرهم، مرتبطةً بثقافة سياسية تقدّم المصالح الحزبية والشخصية على المصلحة العامة، وتتعامل مع إخفاقات الحكم كما لو كانت أعباءً ينبغي على الجمهور تحمّلها، لا أسباباً تستوجب المساءلة.
لكن الأخطر من ذلك هو الانتقال من مجرد ممارسة المحاصصة إلى تطبيعها سياسياً واجتماعياً؛ أي التعامل معها باعتبارها أمراً طبيعياً في تشكيل الحكومات وإدارة مؤسسات الدولة، وكأن توزيع المناصب بين الأحزاب وأسر الزعامات حق مكتسب لا يجوز المساس به، لا ممارسة تستحق النقد والمراجعة.عند ذلك
تتحول المحاصصة إلى قاعدة للحكم .
إن إخراج الإطار التنسيقي ورقة المحاصصة مجدداً من جعبته في ظل الأزمة المالية الساحقة و شعارات الحكومة الأصلاحية لا يمثل مجرد عودة إلى أسلوب سياسي مألوف، بل يطرح سؤالاً جوهرياً عن طبيعة النظام الذي تسعى القوى المتنفذة إلى تكريسه من دولة مؤسسات تعمل وفق القانون والكفاءة والمصلحة العامة الى حصص تتقاسمها الأحزاب وفق موازين القوة والتفاهمات السياسية دون الحاجة الى الأعتبارات الأخلاقية والشرعية التي رفعتها المرجعية الدينية العليا .
المحاصصة ليست مجرد خلاف على عدد الوزارات أو أسماء المرشحين للمناصب. إنها، حين تتحول إلى قاعدة دائمة، تعيد تعريف وظيفة الدولة نفسها. فبدلاً من أن يكون المنصب العام مسؤوليةً تتطلب الكفاءة والنزاهة، يصبح حصةً تفاوضية. وبدلاً من أن تخضع المؤسسات لمعايير مهنية وقانونية، تصبح مواقعها موضع مساومة بين القوى السياسية. وبدلاً من أن يُحاسَب المسؤول على ما أنجزه أو أخفق فيه، يجد في انتمائه الحزبي و العائلي شبكة حماية تضعف المساءلة.
وهكذا لا تعود المحاصصة وسيلةً مؤقتةً لتجاوز خلاف سياسي، بل تتحول إلى نظام لإعادة إنتاج النفوذ، وإلى آلية تضمن بقاء القوى المتنفذة في مواقعها، حتى عندما تتراجع ثقة قطاعات من الجمهور بها.
إن جوهر المشكلة ليس في التفاوض بين الأحزاب، فالتفاوض جزء من العمل السياسي، بل في تحويل نتائج التفاوض إلى امتيازات حزبية ثابتة، وفي إخضاع مؤسسات الدولة لمنطق تقاسم النفوذ بدلاً من منطق المواطنة والكفاءة والقانون.
شركاء الإطار التنسيقي في تطبيع المحاصصة
لا يتحمل زعماء الإطار التنسيقي وحدهم مسؤولية ترسيخ هذا النهج؛ الأكراد والسنة يساهمون في تقديم المحاصصة باعتبارها ضرورةً لا يمكن تجاوزها، أو باعتبارها الصيغة الواقعية الوحيدة لإدارة التوازنات السياسية في العراق.
وتكمن خطورة هذا الدور في أنه ينقل المحاصصة من دائرة الممارسة التي يمكن الاعتراض عليها إلى دائرة المسلّمات التي يُطلب من الجمهور قبولها والتكيف معها. فحين يجري تصوير الاعتراض على توزيع المناصب وفق الولاءات الحزبية وكأنه موقف غير واقعي، أو حين يُقدَّم استمرار التفاهمات بين القوى المتنفذة بوصفه ضمانةً للاستقرار، يجري عملياً إفراغ النقاش من مضمونه الأساسي حيث انها لاتخدم هذه التفاهمات الدولة والمواطن، بل تضمن مصالح الأطراف التي تعقدها خلف الكواليس .
إن تطبيع المحاصصة لا يحتاج دائماً إلى الدفاع عنها بصراحة. فقد يتحقق أيضاً من خلال تكرارها من دون مساءلة، أو التعامل معها باعتبارها عرفاً سياسياً لا بديل منه، أو حصر النقاش العام في أسماء المرشحين وحصص الأحزاب، بدلاً من مناقشة معايير اختيار المسؤولين وطبيعة البرامج التي سيُحاسَبون على تنفيذها.
وهنا تبرز مسؤولية الشركاء في هذا الخطاب؛ فالصمت عن قواعد المحاصصة، أو تبريرها بحجة الضرورات السياسية، يسهم في إعادة إنتاجها، حتى إن لم يكن هؤلاء جميعاً أصحاب المصلحة المباشرة فيها.
الجمهور ليس ملزماً بالدفاع عن حصص الأحزاب
في المقابل، يبدو أن قطاعات من جمهور القوى السياسية، بما فيها جمهور الأحزاب التي لا يزال بعض مؤيديها يحتفظون بمسافة نقدية عن قياداتها، باتت أكثر حاجةً إلى التمييز بين الانتماء السياسي وتبرير الممارسات الخاطئة.
فالدفاع عن المذهب و القومية لا يعني الدفاع عن كل من يتحدث باسمه، والانتماء إلى حزب لا يعني منح قيادته تفويضاً مفتوحاً لتوزيع المناصب أو تجاوز القانون. كما أن الاعتزاز بالهوية لا يتعارض مع المطالبة بدولة عادلة، ومؤسسات مستقلة، ومسؤولين يخضعون للمساءلة.فإن الأصول العائلية أو الرمزية الاجتماعية لا ينبغي أن تكون معياراً للنفوذ أو بديلاً عن الكفاءة والنزاهة.
إن المطلوب من الجمهور ليس تغيير ولاءاته بالضرورة، بل إعادة النظر في المعايير التي يمنح على أساسها ثقته السياسية. فالمواطن الذي يرفض الفساد والمحاصصة لا يتخلى عن هويته، وإنما يرفض تحويلها إلى غطاء يحمي المصالح الحزبية من المحاسبة.
المحاصصة لا تصبح مشروعة لمجرد تكرارها
تكمن خطورة المرحلة في أن استمرار المحاصصة قد يجعلها تبدو وكأنها جزء لا يتجزأ من طبيعة النظام السياسي، لا نتيجة خيارات وممارسات يمكن تغييرها. ومع مرور الوقت، يصبح الاعتراض عليها استثناءً، فيما يُعامل استمرارها باعتباره القاعدة التي ينبغي أن تنطلق منها كل حكومة جديدة.
وهذا هو التطبيع في جوهره: أن يتوقف السياسي عن تقديم مبررات واضحة للمحاصصة، لأنه يفترض أن الجمهور اعتادها؛ وأن يتعامل المواطن معها بوصفها أمراً لا مفر منه؛ وأن تنشغل النقاشات السياسية بتحديد حصة كل طرف، بدلاً من السؤال عن جدوى هذا التوزيع وأثره في أداء الدولة.
ومن هنا، فإن مسؤولية زعماء الإطار التنسيقي لا تتعلق فقط بالقرارات التي يتخذونها، بل أيضاً بالطريقة التي يسهمون بها في ترسيخ هذا المنطق وتقديمه إلى المجتمع بوصفه ممارسة سياسية عادية. فحين تتكرر الآليات نفسها، وتُعاد صياغة التفاهمات ذاتها، ويظل توزيع النفوذ مقدماً على معايير الكفاءة والمساءلة، تصبح المحاصصة أكثر من ممارسة حكومية؛ تصبح ثقافةً سياسيةً يجري الدفاع عنها بالتكرار والتبرير والتكيف معها.
إن الخروج من هذا النهج يبدأ برفض اعتبار المناصب العامة حصصاً حزبية، وإخضاع اختيار المسؤولين لمعايير معلنة، وربط المسؤولية بالنتائج، وعدم منح أي قوة سياسية حصانةً من النقد بسبب هويتها أو جمهورها أو موقعها في السلطة.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في عودة المحاصصة وحدها، بل في تطبيعها؛ في أن تتحول من ممارسة سياسية قابلة للاعتراض إلى قاعدة يُطلب من الجميع التسليم بها، ومن وسيلة لتقاسم السلطة إلى ثقافة تبرر تقاسم الدولة.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يواجه زعماء الإطار التنسيقي وشركاءهم ليس مَن سيحصل على هذه الوزارة أو ذلك المنصب، بل: لماذا يُفترض أن تظل الدولة رهينةً لتوزيع الحصص؟ ومتى يصبح معيار تولي المسؤولية هو الكفاءة والنزاهة وخدمة المواطنين، لا الانتماء إلى هذه الكتلة أو تلك؟
إن كسر المحاصصة يبدأ بكسر الاعتياد عليها، ورفض تحويلها إلى حقيقة سياسية دائمة. فالدولة ليست غنيمةً تتقاسمها الأحزاب، والمواطنة ليست ورقةً انتخابية تُستدعى عند الحاجة، والسلطة ليست امتيازاً دائماً للقوى التي اعتادت تداولها فيما بينها .
حسام الحاج حسين .
مدير مركز الذاكرة الفيلية


