👈أن مسرحية القسم بدعة سياسية لا ينهي أزمة الثقة بين السلطة والشعب، بل يكشف عن أزمة أعمق، تتمثل في إعادة إنتاج منظومة سياسية اعتادت تقديم بقائها بوصفه شرطًا لبقاء الدولة.بل فعلياً بقاءها اهم من الدولة نفسها .
دعونا نقفز الآن فوق مديح أبواق السلطة والموالين والجمهور المؤدلج ولننتقل إلى جوهر المسألة. فقد رافقت عملية تشكيل الحكومة انتقادات تتعلق بتوزيع الحقائب الوزارية وخروج البدع السياسية للعلن وفق موازين النفوذ والحصص الحزبية، بما يعيد إنتاج المحاصصة ويكرّس مصالح القوى المتنفذة على حساب بناء دولة المؤسسات والكفاءة.
إن الخطر كل الخطر يكمن في هذه المعادلة هو تحويل السلطة من مسؤولية مؤقتة أمام الشعب إلى امتياز سياسي تحميه موازين المصالح والخوف من البديل. فبدلًا من أن تقدّم القوى الحاكمة إنجازاتها دليلًا على استحقاقها للثقة، يجري ترسيخ خطاب يوحي بأن سقوطها يعني سقوط الدولة، وأن تغييرها يفتح أبواب الفوضى، وأن بقاءها، بكل إخفاقاتها، هو الخيار الوحيد لتجنّب الكارثة.
هذا هو جوهر الابتزاز السياسي: أن يُدفَع المواطن إلى الشعور بأنه مدين لمن يحكمه، وأن يُخيَّر بين القبول بواقع يرفضه والخوف من مستقبل يُصوَّر له بوصفه أكثر سوءًا.أن حماية العراق ليست منّةً من حزب، ومواجهة الإرهاب ليست صكّ ملكية للسلطة، والاستقرار ليس امتيازًا تحتكره القوى المتنفذة. فالدولة ملك لجميع مواطنيها، والسلطة مسؤولية وليست إرثًا سياسيًا، والشعب صاحب الحق في المحاسبة والتغيير.
وقد برزت من داخل الطبقة السياسية نفسها انتقادات لنظام المحاصصة والدعوات إلى تجاوزه نحو حكومة تقوم على الأغلبية السياسية. وهذا يكشف عمق التناقض بين الاعتراف بمساوئ توزيع المناصب على أساس الحصص وبين استمرار الآليات التي تسمح للقوى المتنفذة بإعادة إنتاج نفوذها.والمفارقة ان ابرز ناقدي المحاصصة هو من يقودها اليوم .
أما القسم أمام القرآن الكريم، فلا ينبغي أن يتحول إلى درع أخلاقي يحتمي به السياسي من النقد، ولا إلى مشهد رمزي يُستعاض به عن الإنجاز والمحاسبة. فالقيمة الحقيقية للقسم لا تُقاس بلحظة أدائه أمام الكاميرات، بل بمدى الالتزام بمقتضياته في إدارة الدولة وصيانة حقوق المواطنين ومكافحة الفساد.
والأخطر من تشكيل حكومة جديدة أن تبقى القوى التي صنعتها قادرةً على إعادة إنتاج قواعد اللعبة ذاتها؛ فتتغير الأسماء، وتتوزع المناصب من جديد، بينما تبقى مراكز النفوذ وآليات المحاصصة وشبكات المصالح بمنأى عن التغيير الحقيقي. عندها يصبح التغيير تبديلًا للواجهات، لا إصلاحًا لبنية السلطة.
إن الديمقراطية تفقد معناها حين يُحاصَر المواطن بالخوف من التغيير، وحين يُصوَّر الاعتراض على السلطة وكأنه تهديد للدولة، وحين تتحول الانتخابات من وسيلة لتداول الحكم إلى آلية لإعادة تدوير القوى ذاتها.
إن الدولة ليست ملكًا للأحزاب، والشعب ليس رهينةً لدى السياسيين، والديمقراطية ليست إجبار المواطنين على الاختيار بين الفساد والخوف من المجهول.
ومن يريد ثقة الشعب، فعليه أن يستحقها بالإنجاز والنزاهة؛ ومن يقسم على خدمة العراق، فعليه أن يقبل بالمحاسبة؛ ومن يدّعي أن بقاءه ضرورة وطنية، فعليه أن يثبت ذلك بفاعلية المؤسسات واحترام القانون،
فحين تعجز السلطة عن إقناع الشعب بإنجازاتها، وتستعيض عن الثقة بتخويفه من تغييرها، تصبح الأزمة أكبر من حكومة؛ إنها أزمة منظومة تريد أن تجعل بقاءها ضرورة، ومحاسبتها مخاطرة، وتغييرها تهديدًا للدولة.
والحقيقة التي يجب ألّا تُنسى: العراق أكبر من أحزابه، والدولة أبقى من حكوماتها، وإرادة الشعب ليست دينًا في عنق أحد والأنجاز والنزاهة لاينتهي عندي القسم بطريقة الأستعراض .!
حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية


