البعث ثقافة وليس حزباً .!

لم يكن القوميون البعثيون في العراق يؤمنون بالإسلام الذي يقود الحياة .وقد كان هذا مفترق القرن العشرين ((إسلاميين وقوميين )) وايضاً لم يكن يؤمنون بحق الأقليات في العيش تحت ظل المواطنة . العربي هو الأول وتاتي البقية في سلم الأولويات الوطنية وحتى الأسلام لم ينجو بكل مايحمل من سماحة من براثن التعريب وإنما كان هناك حرصهم على أنتاج أسلام قومي يرتكز على العروبة وتزين بالشعارات القومية المزيفة بينما كان البعثيون مشغولون بتكريس الدكتاتورية كانت الهندسة الإقليمية بأيدي الإمريكيين من جهة، ومن جهة ثانية كان الفتق بين العرب أنفسهم أكبر من أن تعالجه فكرة لم تنضج بالقدر الكافي.
انتهى حزب البعث العربي الأشتراكي سياسياً في شهر نيسان عام ٢٠٠٣ م . لكن ثقافة حزب البعث العربي الأشتراكي مازالت باقية وتتمدد .التمييز العنصري و الأستئثار بالسلطة والأقصاء الممنهج مازال ساري المفعول . الترهيب والترغيب وتكميم الأفواه ليتحول الى أرهاب الدولة
عاش المجتمع العراقي تحت ظل كثيف للأيديولوجية القومية لحزب البعث و للنشأة السياسية تأثيرها في مسار الشخصية فهذا مبدأ عام يمكن إثباته من أوجه مختلفة حتى بعد أنكسار الجمود السياسي الذي امتد لعقود بعد عام ٢٠٠٣ م وحتى بعد اتاحة الفرصة للكلمة المغيبة للخروج الى أرض الواقع . ولكن عندما يطول المسار وتكثر محطاته ومنعطفاته وتتراكم تجاربه يصبح من الصعب التمييزُ، في بناء الشخصيّة، بين ما يعود إلى ظروف النشأة وما لا يعود إليها. وإذا كان لا بد من المجازفة في تغيير ملامح الثقافة البعثية التي تجذرت في الكثيرين من الملامسين والمصابين بهووس القومية .ولو طبقنا المنهجية الخلدونية (نسبة إلى ابن خلدون) في تحليل نشأة الدولة البعثية وانهيارها، حيث أوضح ابن خلدون أن الاستيلاء على الحكم بالقوة يرتكز على شحن عصبية قومية أو دينية وتوظيف دعوة سياسية كغطاء لها، وصولا إلى الملك الذي يدوم باستمرار شحن هذه العصبية وتقويتها.
وحيث نشأ حزب البعث في العراق هزيلا ضعيفا في القرى والأرياف، بعيدا عن المدينة بمركزيتها الحضارية والثقافية والسياسية، فكان من أولى أولوياته ضرب المدن وتحييدها وتقزيم دورها والحكم عن طريق البطش والطغيان و كان حزب البعث في الأساس غطاء سياسيا لمجموعة من المشردين كانوا بالقاهرة، ونظموا أنفسهم من أجل الأستيلاء على الحكم،
وسرعان ما تبددت أحلام الذين شاركوا في الحزب عندما نسف قاعة الخلد كل أمل لهم بمشاركة سياسية فاعلة، وصار الحزب مجرد غطاء للطائفة السنية الضيقة، وصارت مشاركات أشخاص شيعية و كردية تواجَه بالسخرية اللاذعة من رموز البعثيين، وأصبحوا مجرد رهائن من الطوائف الأخرى لدى الطائفة الحاكمة.وتعتبرالوعاء الأساسي الذي كرسه صدام حسين ليربط مصيرها بمستقبله الشخصي .
زال هذا التأثير بزوال الحاكمية البعثية لكن العدوى السلبية انتقلت الى المجتمع السياسي وحتى الأسلاميين الذين ناصبو العداء للبعث تأثر به ومازال يستخدم ادواته في الأقصاء والتهميش حتى ضد ابناء الطائفة الواحدة فقط لانهم لايتحدثون العربية .
لذلك مازال تأثير البعث متجذر حتى في السلوك السياسي والمجتمعي من قبل الذين كان البعث يجتثهم على الدوام .

حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى