هندسة الأزمات المصطنعة: كيف تُحوَّل العطلات إلى ساحات للقصف الإعلامي الممنهج؟
في الوقت الذي كانت فيه العوائل العراقية تنشد السكينة في بيوتها احتفاءً ببداية العام الجديد انطلقت “عملية سيبرانية” من نوع آخر؛ لم تكن تستهدف الأنظمة الرقمية، بل استهدفت “الأمن النفسي” للمواطن عبر بوابة أزمة الغاز. إن ما حدث ليس مجرد تدافع عفوياً، بل هو تطبيق عملي لـ “تكتيكات الإرباك” التي تستغل التوقيتات الحرجة لضرب الاستقرار المجتمعي.
أولاً: تكتيك “التوقيت الذهبي” والقصف بالإشاعات
يدرك مهندسو الأزمات أن “العطلة” هي البيئة المثالية لزراعة الذعر؛ فالجميع في المنازل، والارتباط بمنصات التواصل الاجتماعي في ذروته. هنا يبدأ “القصف الإعلامي” بضخ إشاعات مركزة حول شحة الوقود، مستغلين حالة “الاسترخاء الذهني” لدى الجمهور لتمرير معلومات مضللة، مما يدفع المواطن آلياً للتحول من “متلقٍّ” إلى “جزء من الأزمة” عبر الاندفاع نحو محطات التعبئة.
ثانياً: استراتيجية “الخلط الممنهج” وتجهيل الرأي العام
من الناحية الاستراتيجية، اعتمدت الأزمة الأخيرة على فجوة الوعي التقني لدى البعض، حيث جرى تعمد الخلط بين ملفين منفصلين:
الغاز المستورد (الإيراني): المرتبط بإنتاج الطاقة الكهربائية (الغاز الجاف).
الغاز السائل (LPG): المخصص للاستخدام المنزلي (الطبخ).
هذا الخلط ليس عفوياً، بل هو تكتيك لتوجيه الاتهام الجاهز نحو الحكومة وربط حياة المواطن اليومية (قنينة الغاز) بملفات سياسية خارجية، وإثارة حفيظته حول “حرق الغاز المصاحب”، لتحويل النقد البنّاء إلى حالة من الفوضى الميدانية التي لا تخدم سوى “مفتعل الأزمة”.
ثالثاً: الميدان يكشف “التزييف الرقمي” (شهادة من الرصافة)
من خلال متابعتي الميدانية لأحد مراكز التعبئة في جانب الرصافة، تتضح الفجوة الكبيرة بين “الضجيج الرقمي” و”الواقع العملي”. بسؤالنا لموظف التعبئة عن حقيقة الأزمة، كانت الإجابة قاطعة: “لا توجد أي شحة، الغاز متوفر والعمل مستمر بتعبئة الأسطوانات التركية والمحلية بانسيابية عالية”.
إذن، ما هو سبب الزحام؟ الموظف يفسرها بعبارة دقيقة: “الناس تجي روجة وتروح روجة”. هذه “الروجة” هي النتيجة المباشرة للإشاعة؛ فالمواطن لا يذهب للمحطة لأنه يحتاج الغاز فعلياً، بل يذهب لأنه “خائف” من انقطاعه، وهذا هو بالضبط ما يطمح إليه محركو الأزمة.
رابعاً: المصالح الضيقة.. صراع المحطات الأهلية والقرار الحكومي
خلف الستار الإعلامي، تبرز مصلحة “المستفيد الأكبر”. تشير المعطيات إلى أن الأزمة افتعلت كنوع من “التمرد التجاري” من قبل بعض المحطات الأهلية التي رفضت الالتزام بقرارات توحيد الأسعار الحكومية. تم توظيف بداية السنة الجديدة لليّ ذراع القرار الرسمي عبر خلق مشهد “الطوابير” الوهمية، ومن ثم تصديرها كأزمة سياسية وفشل إداري.
الخلاصة: نحو “حصانة رقمية” مجتمعية
إن ما شهدناه هو درس في “الأمن السيبراني المجتمعي”؛ فالحروب القادمة لن تكون بالسلاح فقط، بل بالقدرة على التحكم في “توقعات الجمهور” وتوجيه سلوكهم الاستهلاكي عبر الشاشة. إن استرداد الحقوق المسلوبة وتحقيق الاستقرار يتطلب أولاً وعياً شعبياً يفرق بين “الخبر” و”الإشاعة”، وبين “الأزمة الحقيقية” و”الأزمة المصطنعة” التي تُطبخ في كواليس الغرف المظلمة.
قضي الأمر.. وبقي الغاز، ولكن هل يبقى الوعي حاضراً في الأزمة القادمة؟





