البعثيون وسياسة تطبيع الأحتقار .

عند صعود القوميين عام 1963 كان التوتر محسوساً في كل زاوية من زواية النظام وكانت الإيديولوجية القومية تعتكف على صناعة النسيج الفاصل بين المكونات وعلى رأسهم الأكراد بصورة عامة والفيليون بصورة خاصة . كان البعثيون يعتقدون ان الأكراد يمثلون تهديداً داخلياً على النسيج السياسي القومي المتصاعد . لم تولد هذه السلسلة من الأجراءات من العشوائية بل بخطوات مدروسة بعناية وكانت تمهد الطريق بما سيأتي لاحقاً .كان التصعيد القومي ضد الأكراد هو في اطار هندسة الأبادة من خلال اعداد المحيط السياسي للنظام البعثي الذي استولى على السلطة من خلال الأنقلاب في عام 1968 م . هنا بداء يتشكل فصل جديد من التراجيديا الدموية ضد الأكراد حيث بدأت في تطويق (الكرد الفيليين ) من خلال تصعيد أدواتها القانونية باستبعاد الكرد الفيليين من الحياة العامة بذرائع التجنيس والتبعية حتى الوصول لمصادرة الأموال والتسفير القسري
مع حرمانهم للوصول الى المراكز السياسية والأقتصادية العامة وحتى المؤسسات التعليمية المهمة . لم تؤثر هذه الأجراءات التي ترسخ مفهوم (( تطبيع الأحتقار )) فقط بل تم هندسة عزلهم عن الفضاء الوطني انذاك حيث تم تجريف الهوية الكردية التي كانت تتعايش مع الهوية العربية طوال قرون وتم دفعها بقوة للخروج من دائرة النسيج الوطني من أجل ان تختفي كلياً وبالتدريج من الفضاء العام من خلال الأساليب التعسفية والقمعية الممنهجة . لعب هذا السياق من الطرد الصامت بمطاردة رؤوس الأموال من خلال مصادرة الأملاك والعقارات بحجج التبعية والتسفير وقد تم الإستيلاء على المتاجر والمساكن والأراضي الخاصة ب(( الكرد الفيليين )).
لقد كانت عملية النهب الفوضوية تتزيين بالشرعية القانونية .
حيث تحولت المؤسسات الحكومية الى ادوات قمع مؤدلجة ترى في ((الكرد الفيليين)) عناصر أجنبية يجب مكافحتهم وازاحتهم من الحياة العامة . صنف الفيليون على المستوى الأمني باانهم عناصر غير موثوقة يعيشيون تحت المراقبة الدقيقة . كانت الحملات لاتقتصر على السياسية والأقتصادية فقط بل حتى الأجتماعية من خلال التفريق بين الأزواج الذين يعملون في المؤسسات الأمنية والعسكرية للنظام وكانت الحملات تحت ظل كثيف من المتابعة والتدقيق الأمني .كان المجتمع الدولي انذاك يراقب مايجري بالذهول والأنجماد . وكان البعض يعتبر ان سياسيات البعثيين هو للأستهلاك الداخلي وربما ستخف مع مرور الوقت وفي ظل هذا السكون تزايدت سياسات القمع الممنهجة لتصل الى التغيير الديمغرافي من خلال نقل المجتمعات الكردية من على الحدود مع إيران الى محافظات الوسط والجنوب . وتم تهجير الأكراد الشيعة من خانقين ومندلي وزرباطية وبدرة وتم استبدالهم بالعرب السنة .
كما تم تهجير الإكراد السنة في بعض المناطق الحدودية ذات الهوية الكردية لصالح بعض العشائر الشيعية من الوسط والجنوب .و أدى هذا القمع الممنهج الى أنهيار المجتمعات الكردية الفيلية التقليدية .
وكان المسؤولون عن عمليات الترحيل هم من القيادات القطرية للحزب وعلى اعلى المستويات
وكانت الحكومات المحلية في الأقضية والنواحي الكردية تتعامل مع عمليات الترحيل بقسوة وقوة من اجل اعادة توزيع السكان وفق المنهج السياسي بغض النظر عن العواقب والكوارث البشرية التي تصيبهم .بدأت رحلة الألام ( للكرد الفيليين )) من آفكار في عقول الشوفينيين الى سياسات للأقصاء الدائم و من دمج المبادئ القومية بالحسابات الأقتصادية التي ذهبت الى موارد لدعم النظام البعثي من خلال مصادرة كل شيء يقع تحت ايديهم .!

حسام الحاج حسين
مدير مركز الذاكرة الفيلية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى